"أناشيد" .... باكورة إحتباس الروح
 "مقدمة لم تنشر في الكتاب"
صورة معادٌ تكوينها لغلاف الديوان الصادر عام 2002 (بتصرف طفيف)


سبع قصائد متنوعة الطول هي قصائد مرحلة "أناشيد لاحتباس الروح" و التي امتدت من خريف 1999 حتى شتاء 2001، أكاد أذكر أن كل قصيدة منهم كانت حياة كاملة ، و حرباً كاملة أيضاً، ربما أن كل قصيدة تلخص مرحلة طويلة نسبياً من حياتي قد تتسع لعدة قصائد، لكن طالما كانت ملائكة الشعر شحيحة العطاء، و طالما حرصت على التركيز في كل نص لفترة أطول مما ينبغي. 



يعن لي الآن أن استحضر بعض ذكريات هذه المرحلة الهامة جداً من حياتي و التي مررت فيها بتجارب أعتز بها ضمن رصيد خبراتي المحدود ، و التقيت بأناس ما زلت أكن لهم الكثير من المحبة و الإعزاز رغم انصرام عقد من الزمان منذ فارقتهم ، أولئك الذين وضعوا بصماتهم عمداً أو عفواً على صفحة روحي و وعيي و شخصيتي كشاعر ، لذا أبدأ بأن أتقدم لهم أولاً بأسمى آيات التقدير و الإحترام و الشكر.. و صدقاً لا يسعني أن أملأ الأرض ورداً ما بيني و بين أماكنهم تكريماً لهم و اعترافاً بفضلهم .. و اعذروني إن لم يكن ترتيب الأسماء عادلاً أو منصفاً .. فأنا لم أتعمد هذا الترتيب ... الأخ الكبير نعيم الأسيوطي .. الشاعر العملاق درويش الأسيوطي .. الأستاذ القدير سعد عبد الرحمن .. الأستاذ الفاضل زكريا عبد الغني .. الأخ الكبير نصر محمد علي .. الأم الروحية ثمية عبد الرحيم .. الصديق العزيز جداً محمد جابر متولي .. الأستاذ محمد سعد توفيق .. الصديق العزيز أحمد عبد العزيز حمادة .. القاص و الشاعر المبدع محمد علي ابراهيم .. العملاق الراحل تامر المطيعي .. العظيم الراحل د. عبدالوهاب أمين .,. الشاعر الجميل زكريا عبد الرحيم و الصديق محمد كمال جيد ....الأحبة و الأصدقاء و الإخوة الأعزاء : طاهر البربري ، صبري عبدالرحمن ، وسام الدويك، د.هيثم الحاج علي، شريف رزق، علي بدر، حسين منصور، عماد مطاوع، هيثم الشرابي .. و رفاق القلم و الألم : علي البعلاوي، أحمد فاروق، محمد حليمة، أحمد البديوي.................. أخيراُ لرائعين مرا بي مصادفة فطوقا عنقي بالياسمين و لم أشرف بلقائهما وجهاً لوجه بعدها : عزت الطيري و محمد محمد الشهاوي ................. و أعتذر بشدة لكل من لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم و إن كنت لا أنكر فضلهم





ما بعد البداية بقليل

لحظة مر عليها 12 عاماً إلا قليلاً .. و ما زلت أذكرها كأنها بالأمس القريب .. و أذكر معظم تفاصيلها
المكان فوق الجسر الشهير بـ خزان أسيوط .. في قلب هذه المدينة العزيزة على قلبي ، في ليلة أغسطسية حارة غالباً إلا في هذه البقعة من مدينة أسيوط التي لا يفتر عنها النسيم البارد أبداً بقدرة إلهية لم يرق إليها فهمي يوماً ما

الطريق من نادي أدب أحمد بهاء الدين إلى سكني المؤقت ، حيث تضافرت عدة إحباطات لترسم لوحة الهزيمة على صفحة روحي ... و في دماغي كانت كل الآراء التي سمعتها في حياتي عن كتاباتي -و المتراوحة ما بين المجاملة و التجني المفرطين - تمر خلال دماغي بسرعة مربكة .. و في لحظة جنون أخرجت قلمي و بدأت أخط كلمات على هامش مطوية "نحن" التي أصدرها الأصدقاء في نادي أدب شبين الكوم قبل أسابيع من هذه الليلة .. كان يدفعني في هذه اللحظة أن أسخر من الشعر الذي طالما سخر مني .. لا أن أكتب قصيدة بمعنى الكلمة ... لكن رغم أنفي سخر مني القلم .. و كانت القصيدة التي مزقت كل قصائدي السابقة لها .. قرباناً لبداية مرحلة جديدة من الكتابة

و كانت "أناشيد لاحتباس الروح" 

أستغرقت في هذه القصيدة لفترة طويلة و أعدت كتابتها عشرات المرات في عدة مراحل .. و كأنها قصيدتي الأخيرة ... و مع كل كتابة كنت أعيد طرحها في أندية الأدب .. و كانت ردة الفعل دائماً محبطة لطموحاتي ...

لا أذكر بالتحديد متى قررت نسيان أمر هذه القصيدة ... لكن أذكر متى تذكرتها مجدداً .. كانت ليلة من ليالي قصر ثقافة أسيوط تستضيف كلاً من الأستاذين  الورداني ناصف و عبد الحسيب الخناني ... و كان يدير الأمسية القدير دائماً سعد عبد الرحمن الذي ظل رغم إختلاف قناعاتنا الجمالية أباً لكل أدباء أسيوط و كان لي الشرف أن كنت واحداً منهم وقتئذ، فجأة صارت القصيدة - نفس القصيدة التي كانت تقابل في كل مكان بفتور - تلقى استحساناً و قبولاً ، سواء من جانب حراس الشعر التقليدي أو من جانب شعراء الحداثة
تحت سكرة النشوة بالإطراء (لأول مرة تقريباً) قررت أن أعتبرتها قصيدة ميلادي، و كومت كل ما سبقها في كيس بلاستيكي إلتهمته الفئران فيما بعد، غير مأسوف عليه. 



الأصدقاء
لا أجد حرجاً في أن أعيد دائماً أنني تعلمت من أصدقائي أكثر مما تعلمت من أساتذتي ، بل و من الكتب أيضاً ...أولئك الذين جمعتني بهم حياة كاملة من الشعر ، و الشعر فقط .. على المقاهي و سلالم الجامعة و مقاعد الكورنيش و محطات القطار ، و في "بيت محمود السبعاوي" (كاتب و مخرج مسرحي و فنان كاريكاتير) هذا الصالون الثقافي المرتجل الذي استضاف كثيرأ من كتاب و فناني جيلي و الأجيال السابقة و اللاحقة له من أبناء محافظة المنوفية .. كانت أزمنة جميلة تبادلنا خلالها الأحلام و الخبرات و حقائب ذاكرات الإبداع و تعلمنا من بعضنا البعض كثيراً و عانقنا تمردنا على الواقع الذي يصر على تهميشنا ... هؤلاء الأصدقاء الذين لولاهم ما واصلت الكتابة حتى الآن

تحية ود و ورود لهم جميعاً .. و تحية "مغلظة" لأولئك الذين لم تلوثهم الأيام بعد

كثيرة هي الذكريات رغم قصر الفترة الزمنية لهذه المرحلة .... و أخشى أنني قد أطلت فعلاً و صرت مملاً .. أعني أكثر إملالاً من ذي قبل ... لذا فقد آن أوان لوحة الختام ....



الديوان
شاء الله عز و جل أن تختتم هذه المرحلة رسمياً بصدور ديواني الأول "و الأخير حتى وقت كتابة هذه السطور" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة - فرع ثقافة المنوفية ، و كان ذلك عام 2002 ... كانت لحظات أشبه بلحظات الحصاد بعد زرع طويل ... رحلات مكوكية من قصر الثقافة إلى المطبعة .. جدل و معارك و مساجلات ... روتين حكومي ثقيل الظل و الوطأة ... لحظة رؤية حزم الحلم الصغير مطبوعاً لأول مرة عند مرور عابر أمام باب المطبعة .. و لحظة استلام النسخ .. التوقيعات والإهداءات .. الركض بين باعة الجرائد لشراء النسخ المهملة على الأرصفة لإنقاذها من عدوان المطر و الوحل ... دهشة بائع الجرائد أمام مشترٍ أبله يريد شراء خمسين نسخة من كتاب واحد ... طبعاً لو قلت له أنني مؤلفه لقال عني "مجنون" رغم وجود صورتي على غلافه الخلفي ...

باستثناء كل ما سبق فأنا شخصياً غير راضٍ عن الديوان إجمالاً، و أعتبره بداية رديئة للغاية، و أجد أغلب قصائده دون المستوى بكثير، و كذلك آسفني اضطراري لحشر قصيدة "ما تيسر من سيرة الندى" التي تنتمي لمرحلة نفسية و جمالية مختلفة تماماً في حياتي .. و اضطراري لإستبعاد بعض القصائد العزيزة على نفسي لأسباب فنية لم أستسغها أبداً ..ثم موت الديوان متأثراً بجراح الإهمال و أسنان الفئران في مخازن قصر الثقافة في ظل فشلي الفطري في تسويقه و تسويق نفسي إعلامياً و بين النقاد، و بالطبع لم يكتب عنه أحد لثماني سنوات حتى تفضل الأستاذ شريف رزق بذكره ضمن بحثه المقدم لمؤتمر أدباء الأقاليم 2010 بمطروح بعنوان : تجاور الأشكال الشعرية فى المشهد الشعري الراهن للإقليم ، و لا أنسى أن أفرد له مساحة شكر خاصة و قد كان ضمن اللجنة التي اختارت هذا الكتاب للنشر عام 2002.
عن الديوان يقول الأستاذ شريف رزق، في المقاربة النقدية الوحيدة له:

"ثانيا : شعرية الدفقات الحداثية :

ويمثلها ديوان: (أناشيد لاحتباس الروح)، للشاعر أحمد البربري، الذى ينتمي إلى دائرة (شعر الحالة) لا (شعر الفكرة)؛ فيلتبس مفهوم (الحالة) الشعرية، لديه، بمفهوم (الحال الصوفي)، ويتدفق الأداء الشعري فى غنائية تتداعى فيها تشكلات اللغة والمجاز فى تداعيات الإيقاع، وتنتمي طبيعة التجربة إلى الوعي الرومانسي،أما الأداء فينتمي إلى شعرية الحداثة. إن تدفق الإيقاع (وتداعياته) يقوم بدفع تشكيلات اللغة وتشكيلات البلاغة فى حركته، فى فقرات شعرية تتوالى؛ مثل :

"يا أيها المعتوه :
هل فى الأرض...
أو حتى على سطح السماوات القريبة والبعيدة
من ستمحو نور "دنيا" من نوافذ مقلتيك
وتمنح الأشعار نايا لم يذق لحن الألم ؟
أم مت حقا وانزوى النهر الصغير
إلى اختصار؟" (32)

إنها دفقة، ضمن دفقات، يتشكل منها النص فى بنية عنقودية. على أن فتنة الشاعر بتشكيلات المجاز اللغوي تقوده إلى الإسراف فى الإضافات والنعوت، كما فى قوله :

" أعرف
أنك قد سورت مساحة دفئ رومانسي
تفعمها غدران العسل
-على مقربة من سفح الوردة -
من أجلى
أعرف
أنك قد وشيت بساط الريح
بهدبك
لمباغتتي بالرحلة
فى ركب من بركات السلف العاشق
صوب الجنة "(33)

ولدى الشاعر ولع بالتطريب القديم – وإن حمل بتشكيلات جديدة طريفة – فى إنشادية خارجية، تخطتها بكثير- إنشادية محمود درويش، على سبيل المثال؛ حيث جاءت على هذا النحو :

" أراك انسحابا جديدا يعود
ينام على ضفة من ضباب
يكبل فى انفجار القصائد
أراك انسحاقا
فأنفاس حبرك مسحوقة
زئبقا فى دمائك
أنا لا أريدك..هيا ابتعد
ولترحني قليلا
لتحمل على كاهليك انتحارك" (34)

إن حرص الشاعر على تشكيلات الإيقاع واللغة والمجاز، لا يكشف عن حرص مماثل على بناء النص؛ فالكثير من مقاطعه هى دفقات وجدانية لا يحسن الشاعر استثمارها، كما فى قوله :

"... ويوما نويت المبيت على سندس
من بقاياك إنت
وأنت انشغلت بكشف القمر
فما كنت ذنب اغترابك عنى
فقط كنت أهوى الهواء المكيف
أهوى اقتناء المطايا الثمينة "(35)

إن بناء المفارقة فى النصف الأول من هذا المقطع، يتلاشى فى النصف الثانى منه؛ بسبب التداعيات الوجدانية الحرة.
ويحرص الشاعر على إبراز البعد الرسولى للذات الشاعرة – كما عرفناه منذ جبران خليل جبران، ثم صلاح عبدالصبور – فهي ذات منفصلة عن الجماعة، مفارقة لها، يخاطبها الشاعر كثيرا بضمير المخاطب، على سبيل التجريد، كما فى قوله :

" وحدك.. وحدك
ستنقب عن دربك وحدك
عبث درب الناس
سراب متكأ أياديهم دوما
وحدك...
وحدك...
كل رفاقك سيبيعون دماءك يوما
ما لم تعبر نهر عروقهم الشائهة
و ما لم يصبغ صدر قميصك
دم أكذوبة " (36)

إلى هنا و ينتهي كلام الأستاذ شريف رزق عن "أناشيدي" 

لا أعرف كيف أختم هذه الصفحة .. ولا أظنني أخرجت من صدري أكثر من شعاع صغير من ذكرياتها الدسمة ، ربما تطفر من عيني دمعة أو أكثر و أنا أكتب الآن هذا السطر .. مما يضطرني لمقاطعة إسترسالي في الثرثرة ، و أخيراً أشكر كل من مر من هنا و شاطرني هذه الذكريات الثمينة. و إلى لقاء في ثرثرة مقبلة حول ديوان قادم إن شاء الله في يوم ما.

Leave a Reply