أكتب  هذه الكلمات من قلب واقع يقطر دماً و دموعاً، أعيشه يومياً و يعيشه الملايين غيري من المقيمين في دول الخليج العربي الشقيقة ، ممن اضطرتهم ظروف أوطانهم لأن يهجروها و يبحثوا عن مستقبل أفضل لعائلاتهم في عالم ظنوا قبل الولوج إليه أنه يفيض لبناً و عسلاً و ذهباً و عملات صعبة، و لأنني أعيش في قلب هذا الواقع بحكم طبيعة مهنتي و مكانها، فإنني أحسب أن ما سأكتبه هنا هو واقع محض بعيد عن المبالغات و التحيزات.


تبدأ رحلة العامل (و سأستخدم كلمة "عامل" هنا لكل من يعمل، بغض النظر عن مهنته)  إلى دول الخليج عادة من خلال مكاتب التوظيف المنتشرة في دول العالم، و بالأخص آسيا و أفريقيا، حيث يقوم بتسجيل نفسه لدى مكتب أو عدة مكاتب، منتظراً ما يحسبه شعاع الأمل الذي يفترض أن يغير مسار حياته، و ما أن تأتيه البشارة حتى يتأهب لبيع ما هو غالٍ و نفيس من ممتلكاته (إن كان يمتلك شيئاً) أو الإقتراض من الأقربين حتى يستطيع شراء تأشيرة الدخول التي تبدأ أسعارها عادة من نحو 750 دولاراً أمريكياً ، و تصل إلى ضعف هذا المبلغ على الأقل في بعض الأحيان، و تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف هذا المبلغ في بعض الدول العربية، و هو ما يعني ثروة بالنسبة للكثيرين، الذين يضطرون في بعض الأحيان إلى بيع أراضيهم و رهن منازلهم ظناً منهم أنهم سيعوضون هذه المبالغ في فترة وجيزة، هذا بحساب قيمة الراتب المعروض عليهم بالعملة المحلية.

تحتكم أغلب دول الخليج إلى قوانين العمل المحلية الخاصة بها، و أغلبها إما متجاهل لحقوق العامل أو بعض منها بشكل مباشر أو غير مباشر، أو يحتوي على ثغرات و نقاط مبهمة يستخدمها أصحاب العمل لصالحهم، برغم النوايا المعلنة من قبل المسئولين عن هذه القوانين في بعض بلدان الخليج العربي لتعديل هذه القوانين بما يوفر ضمانات أكبر لحقوق العامل، بل و حتى الدول التي يضمن القانون فيها بعض الحقوق للعمال فإن العمال يتخوفون من اللجوء إلى الجهات المعنية للمطالبة بحقوقهم خوفاً من التعرض للفصل أو الإيقاف عن العمل و الإضطرار لمواجهة حياة باهظة التكاليف لعدة أشهر دون أي مورد للدخل حتى يتم البت في قضيته.

و مع توافر مقومات أو سبل الإجحاف القانونية، يصبح الكفيل في منزلة "المالك" للعامل، فهو من يتحفظ على هويته و أوراق سفره (رغم أنف القوانين التي تمنع ذلك في بعض دول الخليج)، إضافة إلى إشتراط موافقته في دخول و خروج العامل إلى البلاد و حصوله على حساب بالبنك، و حصوله على رخصة قيادة، و إستقدامه لأفراد أسرته (بل و حتى توظيف العامل لخادمة لمنزله يحتاج إلى موافقة الكفيل) ولا يسأل عما يفعل بالعامل فلا يسائله القانون إن ميز عاملاً على آخر، أو إن أعطى عاملاً أجراً أعلى أو أقل من غيره على نفس الدرجة.

مقارنة بالحقوق التي كفلها الإسلام للعبيد فإننا نجد العبد يتمتع بحقوق لا يتمتع بها المكفول في دول الخليج العربي، فالإسلام يلزم مالك العبد أن يطعمه مما يأكل و يلبسه مما يلبس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم (رواه البخاري و مسلم).، و يعطي العبد الحق في شراء حريته بمبلغ من المال فيما يعرف بالمكاتبة، هذا فضلاً عن الترغيب في عتق الرقاب، و الحض المستمر على حسن معاملتهم حتى كانت آخر وصايا نبي الرحمة صلوات الله و سلامه عليه: الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم، فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أنس.

بل إن عمر بن الخطاب جعل ذمة الحر كذمة العبد في القصة التي رواها فضيل بن زيد الرقاشي رحمه الله وقد كان غزا على عهد عمر بن الخطاب سبع غزوات: "بعث عمر جيشًا، فكنت في ذلك قلنا: نرجع فنقيل، ثم نخرج فنفتحها. فلما رجعنا تخلف عبد من عبيد المسلمين، فراطنهم فراطنوه، فكتب لهم كتابًا في صحيفة، ثم شده في سهم فرمى به إليهم، فخرجوا فلما رجعنا من العشي وجدناهم قد خرجوا، قلنا لهم: ما لكم؟ قالوا: أمنتمونا. قلنا: ما فعلنا، إنما الذي أمنكم عبد لا يقدر على شيء، فارجعوا حتى نكتب إلى عمر بن الخطاب. فقالوا: ما نعرف عبدكم من حُرِّكم، وما نحن براجعين، إن شئتم فاقتلونا، وإن شئتم ففوا لنا. قال: فكتبنا إلى عمر أن عبد المسلمين من المسلمين، ذمته ذمتهم؟ قال: فأجاز عمر أمانه"

وعن ابن عباس أنه قال: قدم عمر بن الخطاب حاجًّا، فصنع له صفوان بن أمية طعامًا، فجاءوا بجفنة يحملها أربعة، فوضعت بين يدي القوم يأكلون وقام الخدام فقال عمر: أترغبونه عنهم؟ فقال سفيان بن عبد الله: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنا نستأثر عليهم، فغضب عمر غضبًا شديدًا، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم، فعل الله بهم وفعل. ثم قال للخادم: اجلسوا فكلوا، فقعد الخدام يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين. هكذا كان العبيد في الإسلام يرحمكم الله، فأي مكفول على وجه الجزيرة العربية له هذه الحقوق و هذه المعاملة!

و نختم بهذه القصة الشهيرة و هي أيضاً عن فاروق الأمة رضوان الله عليه، فقد مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الناس متسترا ليتعرف أخبار رعيته فرأى عجوزا فسلم عليها وقال لها ما فعل عمر؟ قالت : لا جزاه الله عني خيرا . قال : ولم ؟ ، قالت : لأنه - والله - ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار ولا درهم فقال لها : وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ قالت : سبحان الله ! والله ما ظننت أن أحدا يلي عمل الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر


ملحوظة: ما زلت متفائلاً و خاصة بعدما علمت أن الإسلام دخل مصر مؤخراً حسبما زعم المسمى صفوت حجازي، و بينما ما زلت أتمنى أن يدخل الإسلام إلى صفوت حجازي نفسه، فإنني أتمنى أن يصل إلى شبه الجزيرة العربية أيضاً، بأخلاقه و مكارمه التي كان عليها سلف الأمة.

Leave a Reply