ركام كبير من المفاهيم المتناقضة في أغلبها تتضافر سوية لتخلق بإصرار و عناد طفلٍ صغير على أن تصك هذا المصطلح الشائك و تتبناه و تدافع عنه. إنه مصطلح نشأ في عزلة و عاش في عزلة و ما زال يعيش فيها حتى الآن، فمنذ ولد الإسلام مروراً بعصور قوته و عنفوانه، و حتى مراحل ضعفه و إنكساره لم يكن هناك مصطلح يميز الأدب الإسلامي عن الأدب "غير الإسلامي" بإستثناء التمييز الزمني لحقب الجاهلية، أما على صعيد الشكل و الخصائص و المكونات و القيم فلم تستحدث خصائص معينة تعزل أدب ما بعد الجاهلية عما قبله و تنبذه لصالح ما بعده، و ظل الأدب إبن الحاجة التي ظلت دوماً باعثه الأكبر، و ظلت أغراضه و أشكاله كما هي، خفت بعضها أحياناً ثم ازدهر، و ازدهر بعضها أحياناً ثم خفت، و لكن لم يولد المصطلح إلا بعد أربعة عشر قرناً تقريباً من الرسالة المحمدية الشريفة، و هو الأمر الذي يضع هذا المصطلح أمام علامات إستفهام لا تجد إجابات شافية و مقنعة. 

على الضفة الأخرى من جزيرة الأدب الإسلامي التي نشأت حديثاً من العدم، نجد الرافضين لهذا المفهوم جملة و تفصيلاً، تحت دعاوى و مبررات مختلفة أغلبها صحيح للأسف، و بعضها واهٍ، فنفس المجتمع الثقافي الرافض لفكرة وجود "أدب ديني" يقبل التراث الأدبي الصوفي بإعزاز شديد، بل و يقبل أيضاً بوجود أدب ديني مسيحي دون تحفظ كبير، و لا شك أن حضور الحالة المسيحية القريبة من الوعظ في كتابات إدوار الخراط لهي أقوى دليل على ذلك. 

بإعتقادي أن الفشل الذريع الذي يكتنف تجربة الأدب الإسلامي هو أحد الذرائع المهمة و المقبولة في سياق رفض المصطلح و ما يحيط به من مبادئ، فحتى الآن يصر غالبية أصحاب مشروع الأدب الإسلامي على الإنتصار للخطاب الدعوي المباشر بخصائصه المنبرية الوعظية السطحية إلى حد السذاجة، و الإهمال الشديد لكل ما يمت بصلة لكلمة "إبداع"، والتمسك بالقوالب الفنية و المفاهيم البلاغية القديمة التي طحنتها رحى السنون و القرون و رفض كل أشكال التطور الأدبي بحجة مكافحة التغريب و الإنتصار للأصالة، ناسين أو متناسين أن الأدب "العربي" لم يكن ليقف في وجه الزمن بمفرده دون أن يتلاقح مع منجزات فكرية لحضارات أخرى، و لا أحد يستطيع أن ينكر أثر الحضارات الهندية و الفارسية و الصينية و الإغريقية و الرومانية و غيرها على الأدب العربي فكرياً و فلسفياً و جمالياً أيضاً. 

يضاف إلى ذلك الإصرار المتعسف على التقوقع و الإنغلاق على الذات و رفض كل ما هو "آخر" أو مخالف، و رفض كل ما هو "غير إسلامي" من المنجزات الأدبية، و هو أيضاً ما لم يحدث على مر العصور المتعاقبة و إلا لما وصلت إلى أيدينا "ألف ليلة و ليلة" و فيها ما فيها من الحمولة الجنسية الكثيفة، و لما بقيت المفتتحات الغزلية تتصدر المدائح النبوية إلى يومنا هذا، و لطرد النبي الكريم (صلوات الله و سلامه عليه) كعب بن زهير قبل أن يكمل الشطر الثاني من لاميته الشهيرة التي افتتحها بـ "بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ" و التي تجعلها أقرب إلى أن تكون كتابة جنسية خالصة "بورنوجرافي"، و لما كان بين أيدينا إسم الإمام السيوطي على كتابه الشهير "نواضر الأيك في معرفة الـ×ـيك" (و البعض يشكك في صحة نسبته إليه، ربما على أساس عاطفي)، و الذي يعتبر عنوانه في حد ذاته بمقاييس عصرنا و زماننا تجاوزاً أخلاقياً لا يمكن أن يفلته مقص رقيب مهما كان متساهلاً. 

و أخيراً فثالث العوامل التي تضر بمفهوم الأدب الإسلامي و تؤطر لرفضه هو زعم أنصار الأدب الإسلامي أن مظلتهم أشمل و أوسع من مظلة الأدب العربي الذي يتسم بالشعوبية العنصرية التي ذمها الإسلام، و يهمل ثروة ثقافية غنية تتمثل في إبداعات أنصار هذا المبدأ من أدباء اللغات الأخرى، التي يفترض أن يوفر التلاقح معها غناءً ثقافياً و فكرياً يغني عن التلاقح مع الأدب و الفكر الغربي الذي هو بالضرورة أدب كُفري شرير و مغرض لا هم له في الدنيا كلها إلا هدم الإسلام و حضارته، أو الإساءة إليها في أحسن الأحوال. مع إهمال تام لأن الأدب هو ابن اللغة بالضرورة، ولا شأن للشعوبية بهذا الإنتماء الضروري، إذ أن لكل لغة خصائص صوتية و جمالية و معجمية و تراثية تختلف إختلافات جذرية عن غيرها من اللغات، و أن اللغة الرسمية للدولة الإسلامية منذ ولدت كانت اللغة العربية، فلم يكن لغير العرب أن يدخلوها كأدباء إلا أن يكتبوا بالعربية، و تدين العربية لغير العرب بأفضال تفوق ما تدين به للعرب في الحقيقة، فأهم نقاد و نحاة العربية لم يكونوا عرباً أصلاً، و يكفينا في هذا السياق أن نذكر سيبويه مثالاً. و عليه فلا يمكن لقصيدة فارسية و قصيدة هندية و قصيدة عربية أن يكنّ جميعاً أبناء مظلة أدبية واحدة تحت أي ظرف من الظروف بدعوى أن ثلاثتهن يعبرن عن قيم الأدب الإسلامي. 

قد يسأل سائل بعد كل ما تقدم ذكره، هل بقيت هناك ضرورة للإحتفاظ بهذا المفهوم في عالم الأدب بكل ما عليه من مثالب و مآخذ؟ 

برأيي الخاص أن ضرورة وجود الأدب الإسلامي تزداد أهمية و إلحاحاً بازدياد ضرورة الحفاظ على الهوية و القيم الإسلامية الحنيفة التي بدأت تتسرب و تصبح غريبة غير مألوفة من طول النبذ و التجاهل، إلا أن لهذه الضرورة عوامل لا بد من مراعاتها حتى يكون لوجود هذا النوع من الأدب أثر حقيقي و جدوى تستحق الذكر. 

أعجبني كثيراً ما ذكره أستاذي – رحمة الله عليه- الدكتور عبد الوهاب أمين، في إحدى الجلسات الأدبية بمدينة أسيوط بصعيد مصر، حين ذكر (و المعنى له و الكلمات لي) أن كل ما يحمل قيمة أخلاقية مقبولة إسلامياً يمكن أن يعتبر أدباً إسلامياً حتى و إن كان كاتبه غير مسلم، و كل ما لا يحمل هذه القيمة أيضاً يمكن أن يعتبر أدباً إسلامياً إذا خلا من قيم مضادة و مخالفة لجوهر الإسلام و قيمه، و برأيي الخاص أن هذا المبدأ يجب أن يكون المنطلق لرؤية جديدة لمفهوم الأدب الإسلامي، غير أنه من المدهش فعلاً أن تجد كثيراً من حملة لواء الأدب الإسلامي يؤيدون هذه القاعدة نظرياً و يعملون ضدها فعلياً.

يحتاج الأدب الإسلامي كذلك إلى الإنفتاح على القيم الجمالية و المفاهيم البلاغية و النقدية الحديثة و التفاعل معها دون تحفظ و قبول كافة الأجناس و الأشكال الأدبية دون تعصب أو إتهام بالتغريب، يحتاج كذلك إلى إعلاء قيم جمالية النص بموازاة قيم أخلاقية النص أو إسلاميته، و قديماً قيل أن شرف المعنى لا يغني عن شرف المبنى. 

يحتاج الأدب الإسلامي بحاجة إلى مراجعة شاملة جامعة لكل مبادئه و مفاهيمه ليكون قادراً على التواجد – فضلاً عن البقاء- فلم يعد الأسلوب الخطابي الوعظي المباشر مقبولاً أو مستحباً ، بل أنه يصير ثقيلاً على النفس في كثير من الأحيان لما فيه من روح الوصاية و الفوقية التي تأنف منها النفس الحرة، و إنما يجب تجاوز ذلك إلى أفق أنساني رحب يتكيء على آليات فنية أكثر حداثة لتمرير المفاهيم الإسلامية بشكل أكثر عمقاً و إبداعاً، و هذا يمثل تحدياً كبيراً جداً في رأيي الشخصي يحتاج إلى عمل دؤوب و كثيف، إن لم يكن بحاجة إلى تنظير و بلاغة جديدين. 


كتب للمرة الأولى 1 سبتمبر 2007، و تم إنتحاله بعد إرساله للنشر في موقع إسلامي شهير (أغلق مؤخراً، ثم أعيد افتتاحه تحت إسم جديد) و أعيدت كتابته في أكتوبر 2012 

4 Responses so far.

  1. غير معرف says:

    I'm really inspired along with your writing skills as smartly as with the structure
    on your weblog. Is that this a paid subject matter or did you modify it your self?
    Either way keep up the excellent quality writing, it is rare to
    look a great weblog like this one today..


    opinie montignacadieta

  2. غير معرف says:

    Hey there! I know this is somewhat off topic but I was wondering which blog platform are you using for this site?
    I'm getting tired of Wordpress because I've had issues with hackers and I'm looking at alternatives for another platform.
    I would be fantastic if you could point me in the direction of a good platform.


    dieta gwiazddiety gwiazd

  3. First, I'd like to thank you for visiting my blog and for your comments
    this is a "Blogger.com" blog, I purchased the main domain name only for $10/year.
    then I used a free template from available resources on web . but take care when applying templates and styles as it could be hacked or infected.
    I did some modifications for sure (I'm not a developer or a designer at all...), just searching the HTML code in the built-in Editor and replacing photos; I'd added some add-ons and it is easy; and finally I got some help from my brothers (web developers) in some issues which I could not fix by my self.
    I got the theme from here: http://premiumbloggerthemes.com/

Leave a Reply