(1)
مقدمة


من أبرز الظواهر التي أفرزتها ثورة 25 يناير المجيدة أن أطلقت العنان للصراع المستعر بين التيارات و الأيديولوجيات المختلفة و وضعت أفكارها و ثوابتها على محك إختبارات جدية أثبتت صدق بعضها و كذب أغلبها، كما أفسحت المجال لتيارات و توجهات لم تكن لترى بالأعين المجردة من قبل لدى الكثيرين. كذلك فقد أفرزت متغيرات الثورة تطورات كثيرة في العلاقات بين التيارات و بعضها البعض من خلال التحالفات أو الخصومات التي نشأت تحت تأثير الصراع السياسي و الإجتماعي الذي تفجر إبان الثورة.

و نتيجة لحالة الإستقطاب الحادة التي ترتبت على هذا الصراع فقد أصبح جل من يجيد القراءة و الكتابة في مصر مضطراً للدخول في حيرة تطالبه بإتخاذ موقف سياسي و تبني وجهة نظر تعبر عن إنتماءه أو على الأقل تعاطفه مع أحد هذه التيارات، و تحكمت في هذا القرار عوامل كثيرة أقواها تأثيراً كان العاطفة الدينية ثم الضاغط الإجتماعي و الإقتصادي، و كان أضعفها تأثيراً – للأسف- هو المصداقية التي يتمتع بها كل من أطراف الإستقطاب في ظل مناخ مشوش مضطرب عامر بالتفاصيل التي يصعب معها إثبات أو نفي هذه المصداقية لدى غالبية رزحت تحت ركام هائل من عوامل التغييب و التجهيل على مدار عقود طويلة. و بغض النظر عن ذلك فإن المحصلة النهائية لهذه التفاعلات جميعاً قد أسفرت عن تكون ما يمكنني تسميته بمجتمعات العقول، حيث تمحورت و تضافرت العقول ذات الأنماط و التركيبات الفكرية المتشابهة حول أقرب الأقطاب شبهاً لها و تحولت تلقائياً إلى أجزاء فاعلة من ضمن مكوناتها تعبر عنها بشكل ما و إن كان في كثير من الأحيان لا يتخذ الشكل المركزي الأصلي لهذه الأفكار و إنما يتحور وفقاً للخصائص الفردية للعقل المعبر عنها.

أطراف عديدة تدخلت للتأثير على هذه التفاعلات العقلية المجتمعية، فإلى جانب الفضائيات المحكومة دوماً بهوى رأس المال، فقد فتحت الفضاءات الإلكترونية ميادين شاسعة و مجالات هائلة النطاق لتداعيات هذا الصراع و أعطت كلا الطرفين حرية إعلامية غير مسبوقة في تسويق فريقه و مكافحة خصمه بلا حدود و لا تخوف من الرقابة أو حتى من الضمير، فالفضاء الإلكتروني لا يدقق أبداً في تلقي الغث و السمين و الحقيقي و المزيف على السواء، و أصبحت أدوات التزييف و وسائل التدرب عليها متوافرة لكل طفل صغير و بالمجان تقريباً إذا تجاهلنا الكلفة الزهيدة للإتصال بالإنترنت.

فضحت التفاعلات العنيفة بين مجتمعات العقول و الأقطاب التي تقودها عن حقائق صادمة و مروعة إلى حد كبير، و أظهرت عورات و تناقضات و آفات كل الأطراف على السواء، الأفدح من ذلك أنها كشفت أن جميع هذه المجتمعات تحمل الآفات ذاتها تقريباً و لكن بصور مختلفة، و يستوي في ذلك المثقف و العادي و الأصولي و التنويري و لا يكاد ينجو من ذلك إلا الفرق التي تبنت مناهج وسطية هجينة فنالت إستحسان البعض كما تحملت سخط و استهجان الأضداد التي تتوسطها.

من أهم العوامل التي تهيمن على هذا الصراع هو الإعتقاد الراسخ لدى جميع الأقطاب أنها قد عانت طويلاً من التهميش و القمع في عهد النظام السابق على عكس الأقطاب المضادة، و جميعهم يعتقد أيضاً أن خصومه قد تربوا بالضرورة و ترعرعوا بدعم و تنسيق من و مع النظام البائد بشكل مباشر أو غير مباشر، و على حساب تياراتهم و من يحسبون عليها، و يبدو أن الجميع على صواب جزئياً في ذلك إذا اجتنبنا التعميم و الخلط، فكلا الطرفين إستفاد في مرحلة معينة من النظام السابق و تربى في كنفه و استُخدم من قبله – أي النظام – لمحاربة الطرف الآخر أو لتحقيق أهداف سياسية أخرى، و أعنى بالنظام السابق ههنا كامل حقبة الحكم العسكري بداية من عبد الناصر و انتهاء بالمشير طنطاوي.

في تصوري أن الصراع لن ينتهي إلا بإنقراض أحد الطرفين ، و أجد أن كلا الطرفين لا يستحقان أن يمثلا المبادئ المعلنة التي يدعيان الإنتماء إليها، و أن كلا الطرفين يخوض هذه الحرب بلا شرف و يستخدم كل ما أتيح له من أسلحة قذرة لسحق الطرف الآخر معنوياً أو على الأقل إضعافه و تهميشه، و أن كلاهما معيب بكل ما يرمي به خصمه بشكل أو بآخر، أو بمعظمه على الأرجح، و أن هذه العيوب أصبحت كالأوبئة المعدية تتفشى بين المنتسبين لكل فريق بشكل تلقائي، و تعطل لديه كثيراً من خواص التفكير المستقل في عقله، و من هنا كان اختياري لموضوع الكتاب و عنوانه، حيث أحاول إستغلال ما أعتقد أنني أتمتع به من إستقلالية و حياد لتتبع آفات كلا العقلين و هي و إن كانت ظاهرة كالشمس إلا أنه قد آن الأوان ليسجلها أحدهم، و من خلال هذه السلسلة من المقالات أحاول بلورة تصور بدأت أكونه منذ فترة ليست بالقليلة منذ بدأت في رصد هذه الأمراض و تحليلها و مقارنتها لدى كل مجتمع من مجتمعات العقول على حدة.



ملاحظة هامة: لمحبي الردود الهجومية: ليس معنى إنتقادي للعقول المصرية أنني أجد نفسي أرقى عقلاً و لا أعلى علماً ممن أنتقدهم، ولا أنزه نفسي عن أي من الأمراض التي أشرت و سأتحدث عنها في هذه المقالات.

Leave a Reply