هذا قميصي.. (دائرة الهوية)
هذا قميصي
جلدي المنسوج
من حبرِعلى وهنِ
و من متناقضات الكون
صوفي إلى التطويح
أسلك حد معراجي
فأسقط لحظة الإشراق
في السلفية الأولى







من بين مئات الأسئلة التي تطرح نفسها على العقل البشري في لحظة التيه و البحث عن الجذور، و ربما تظل طيلة العمر تبحث عن إجابة ثابتة لدى الكثيرين، وتتوه وسط زحام من المتناقضات و من المُسّلَّمات والقوالب التي تفرض نفسها عبر محيطات النشأة المختلفة، يجد المرء نفسه عادة أسيراً لواحد مما هو مسوق إعلامياً، و معلب للإستهلاك المجاني الهوائي دونما تدقيق. ما هي الهوية أصلاً ؟ هل هي ما أنتمي إليه ؟ أم ما يكونني ؟ أم كلاهما؟ أم هي كل إجابة محتملة لسؤال ؟ من أنت؟



يوماً ما قررت ألا أنتمي إلا للشعر، ثم استسخفت الفكرة، ربما كحيلة نفسية دفاعية للإنتقام من عبث الشعر معي و فقر إخلاصه لي، و عاودت طرح السؤال على نفسي عدة مرات خلال حياتي، و دائماً ما كانت الإجابة واحدة في نهاية البحث، سواء ارتضيتها أم فرضت نفسها عليَّ.



مصري؟ بالتأكيد أنا مصري، لكن بالتأكيد لا يمكنني أن أغلق القوس ههنا و أنسى امتداداتي التاريخية و الحضارية، ولكن، إلى أي الإمتدادات التاريخية و الحضارية ألقي هلب انتمائي و هويتي؟ أم أغلق القوس و أكتفي بهذا القدر مصافحاً أنظمتنا الحاكمة في تقدير لدورها في تكريس الروح الوطنية و التأمين على مصداقية حدود صنعها الإستعمار؟



فرعوني؟ افتراض يدغدغ الخيال و يستدعي الغرور العصبي من عمق اللاوعي البدائي الساكن في الذاكرة التراكمية الخفية لدماغي، كيف لا و أنا ابن من بنا لمن بنا هرم الدهر الذي أعيا الفنا، و لكن ماذا ترك لي من بنوا و شيدوا غير حجارة و حكايات؟ لو أنهم أرادوا لنا أن ننتمي إليهم لتركوا لنا على الأقل مفاتيح أسرارهم قبل أن ينقرضوا، و ما داعي الفخر في الإنتماء إلى حضارة لم تحترم الإنسان و كرست لعبوديته، و إذا رجعت بالزمن إلى فرعون موسى، إلى من سأنحاز ؟ إلى جدي الأكبر الطاغية ؟ أم إلى النبي الذي أؤمن بصدق نبوته ورسالته، بينما هو يقود أمة سوف تحتل بعضاً من بلادي و تسرقها بعد بضعة آلاف عام ؟ ثم هل أنا اصلاً ابن فراعين أم ابن فرسان المشرق الذين فتحوا هذه البلاد و استوطنوها فيما بعد؟



عربي؟ يقال لهم أمة العرب، ولا أدري لماذا. و قديماً علمونا أن بلاد العرب أوطاني و كل العرب إخواني، و ما زال جمر التجربة القومية (الناصرية) يشع بوهن من تحت رماد الفشل الذريع، إلا أن الإنتماء العروبي يعد واحداً من تذاكر المرور إلى عالم التحضر و التمدن في عصرنا الحالي و علامة من علامات سعة الأفق و الوعي، و بالذات في أوساط المثقفين الذين ما زالوا يحتفظون على حوائط صدورهم الداخلية ببراويز كبيرة مذهبة تحمل صورة عبد الناصر، و تحتها المذياع الخشبي العتيق يغني لوطني حبيبي الوطن الأكبر.



فتشت في التاريخ بإخلاص عن حضارة قديمة أو أمة سابقة حملت الهوية العربية فلم أجد مطلقاً، و لم أجد للعرب منجزاً حضارياً غير الشعر العربي، و أن ما اصطلحنا على تسميته بالحضارة العربية و الأمة العربية هو تزويق لكلمة "إسلامية" التي تخدش وهم التحضر في الضمير الثقافي للأمة التي لا نعرف لها عنواناً.

فالحضارة التي اصطلح على تسميتها – على ألسنة المستشرقين أولاً- بالحضارة العربية لم يكن للعرب و العروبة ضلع فيها إذ قامت نهضتها الثقافية علماً و أدباً و فكراً على أكتاف من لا ينتمون للعرق العربي أصلاً، وليس أعجب من أن نجد أبا النحو العربي فارسياً، و أبا الرياضيات العربية خوارزمياً، و أبوي الحديث الشريف خراسانيان، و أبو الإجتماع عند العرب بربري، و كذلك أبو الفلسفة بربري، ولا عجب أن نجد أن أكثر من ثلثي الخريطة الشهيرة للوطن العربي التي احتلت أغلفة كتبنا المدرسية مهدد بالتآكل و الإنقسام مع تراكم الحقد و الكراهية التي خلفتها نعرة الإستعلاء العربي على مدار قرون طويلة (بلا مبرر) فها هم الكرد يريدون الإستقلال بشمال العراق و ربما قطعة من سوريا و جنوب تركيا، و ها هم الأمازيغ يريدون دولتهم الأمازيغية الكبرى من سيوة شرقاً إلى موريتانيا غرباً برعاية صهيونية صريحة و معلنة نجحت مساعيها في جنوب السودان و تنتظر قطف الثمار في شمال غرب أفريقيا. هذه الأعراق كانت في يوم ما موحدة تحت راية واحدة لم تكن تسمح بالإستعلاء العرقي، راية خلقت لتطيح بالتشرذم القبلي، و النعرات الشعوبية، إلى أن كان انقسامها وتمزقها بسيف النعرات الشعوبية ذاتها.



<<الهوية أدلوجة، و الأدلوجة عقيدة، و الدين كذلك، فما المانع؟ >>



إذا جاز لنا أن نقارن بين خيارين إلى أيهما ننحاز ؟ ننتصر للأقليات العرقية أم للأقليات الدينية ؟ أم نهمل الخيارين و ننتصر للمواطنة و الإنقسام الشعوبي لصالح الإثنين؟.

في رأيي أن الإنتصار لهوية تحلم بدولة كبرى موحدة تحمل أدلوجتها أنظمة تشريعية و قانونية و اجتماعية و اقتصادية لم يصنعها بشر، و قابلة في رأيي للتمدد و التطويع لملائمة كل عصر – إذا ما لم نحاكمها بمقاييس صنعها آخرون و لم يثبت أحدهم أنها ثابتة لا تتغير، أو صحيحة لا تخطئ- و أنها من المرونة بما يتسع لاحتواء المخالفين لها أو على الأقل عدم غبن حقوقهم، أما إذا كان علي المفاضلة بين أقليتين لأجرح مشاعرها فأختار الأقلية الدينية دون تعصب لأنها الأقل حجماً من الأقليات العرقية، و لا يمكنها بمفردها صنع مفردات مجتمع جديد مكون من لغة و تراث و شعب و تاريخ كما هو الحال بالنسبة للأقليات العرقية. الهوية الإسلامية في اعتقادي ليست هوية ديانة و تعبد و إنما هي نظام اجتماعي له مؤسسات متكاملة. إذا ما خلصنا لمبدأ مؤسساتية الدولة و عدم وجود سلطة كهنوتية أو دينية لأحد و لا حق لأحد للمزايدة بدينه على الآخر.



هنا أجدني و قد أفضى بي اختياري إلى تناقض جديد، و إلى خانة أقف فيها منفرداً إلى جوار بعض من انشقوا عن التيارات التي تتصدر الساحة الآن و تتكلم بإسم الفكر الإسلامي، و حيث لا يوجد تيار ولا مذهب واضح المعالم يملك الحقيقة المطلقة في عصرنا الحالي، أدخلتي والدي مدرسة إسلامية، لكن لم يرغمني على أن أسلك طريقته، فلم يأخذني معه إلى حضرات السادة الشاذلية، و لم يخبرني جدي إلا أننا شافعيوا المذهب، و كان صوفياً على تشدد أقرب للسلفية، و لم تشجعني المدرسة الإخوانية على حب الإخوان و الإنتماء لهم، ولا أقنعني مدرس اللغة الإنجليزية الذي خصص نصف وقت الحصة ليقرأ لنا آيات الرحمن في جهاد الأفغان، ولم أجد السلفيين على ضيق أفقهم و حدتهم بدواً وهابيين جاءوا من الجزيرة العربية بدين جديد اخترعه ابن تيمية، تساقطت كل المُسَلَّمَات أمامي الواحدة تلو الأخرى، دون أن تقدم لي بديلاً، و شكلت بديلي الخاص فسيفساء من فتات كل طريق مشيت فيه، و كل عقيدة جربتها، بعد أن وجدت أن العودة للخيارات الأولى تقود إلى احتمالات ضيقة و متناقضة، فحتى الحضارة الإسلامية بدولها المتعاقبة لم يكن لها أدلوجة ثابتة أو موحدة، و لم تحترم حتى النسق الإسلامي الأول بحذافيره، فبعد ثلاثين عاماً فقط على وفاة الرسول صلوات الله و سلامه عليه سقط نظام الخلافة – كما بشر بنفسه قبل وفاته- و حل محله الملك العضود، و أجد مبادئ الخلافة: الشورى النخبوية/المستبد العادل في صدام مع عقيدة الديموقراطية الت أصبحت –ولا أدري لماذا- مسلمة من مسلمات الكون الراسخة و المقدسة، و هي التي تساوي بين صوت من يعلم و من لا يعلم، و بين المفكر و المقلد،،، و الحديث في هذا السياق قد يطول و يمتد لصفحات و ساعات.




2 Responses so far.

  1. غير معرف says:

    Hi there woulԁ yoou mnd letting me know which hosting compаny you're using?
    I'vе loаded your blog iin 3 completely different
    internet browsers and I muѕt say this blog loads a lot quickеr then most.
    Can you reсommend a good web hosting provіder at a reasonable pricе?
    Kudos, I appreciate іt!

    Also visit my homepage Personal Loan Interest Calculator

Leave a Reply