هل مارست الغباء السياسي اليوم؟




بغبائها السياسي المعهود، تواصل الأجهزة الأمنية المصرية -بأذرعها الإعلامية وأتباعها المخلصين في كل مكان-حملة الدعاية المجانية للجماعة المحظورة وإعادة تصديرها للمجتمع باعتبارها حامية حمى الإسلام، في تكريس صورة النظام الحالي وأدواته وأذرعه الإعلامية والأمنية كعدو للإسلام وللتدين.


سنوات طويلة قضاها المصريون يزرعون بذور "الطائفية والتمييز الديني" دون أن يشعروا بذلك، و دون أن يجرمهم أحد، فندر أن تجد مورد رزق سواء كان محلاً أو عربة بائع جوال أو حتى عربة نقل تخلو من عبارة دينية من دعاء أو ذكر مرتجل أو مقتبس من القرآن أو الإنجيل في مصر، فبائع العصير يضع في واجهة محله: "و سقاهم ربهم شراباً طهوراً" ، و صاحب المطعم و البقالة و عربة الكشري أو الكبدة يضع "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، و حتى صاحب الصيدلية المتعلم المتنور يضع أحياناً "و إذا مرضت فهو يشفين"، و سائق الشاحنة يقول "يقيني بالله يقيني" (ليست من القرآن و لا الإنجيل حتى لا يتعالم علينا أحد)، أما إذا دخلت محلاً يملكه مسيحي، فلن تعدم عدداً لا بأس به من صور السيد المسيح و السيدة العذراء و القديسين، و بعض الاقتباسات الشهيرة من الكتاب المقدس، أو صور و تماثيل للصليب.

الطريف في الأمر أن المصريين بكافة طوائفهم قد تعايشوا مع الأمر لسنوات طويلة دون أن يفطنوا إلى حجم الجريمة "البشعة" التي يمارسونها دون علم منهم ليمزقوا نسيج هذا الوطن الواحد، حتى فطنت الأجهزة الأمنية –حفظها الله-الساهرة على أمن هذا النظـ .. إحم ..الوطن، فمرروا – حفظهم الله- الرسالة إلى أذرعهم الإعلامية –رعاها الله- لتبدأ في التصدي لهذه الظاهرة التخريبية الفتنوية التي تهدف لشق الصف الوطني و تمزيق نسيجه المتماسك و استفزاز مشاعر الأقلية القبطية. (إخص عليهم إخص، إخص).
وبدورها لم تدخر وسائل الإعلام وضيوفها من قادة الرأي والفكر والأدب والسياسة في لفت الانتباه إلى خطورة وكارثية الصلاة على النبي في وطن 90% من سكانه مسلمون، وكيف يمكن لهذه الملصقات والشعارات “المتطرفة" أن تكون سبباً في دعم الإرهاب والتطرف وإقلاق راحة الأقلية المسكينة غير المسلمة، التي ما زال يحق لها في المقابل أن ترفع شعاراتها وأيقوناتها وملصقاتها بكل حرية.

أما قادة الرأي الديني فحافظوا على حيادهم الشديد وانحيازهم المفرط للثوابت الدينية بغض النظر عن التوجه السياسي السائد، فنددوا بهذه الملصقات الفتنوية المسيئة، وأفتى بعضهم بكراهتها وبعضهم ببدعيتها وتحريمها، بينما اكتفى البعض بالتنويه أنها ليست من الدين في شيء وتجب إزالتها.

و بالطبع نجحت الحملة في الربط بين الدعوة إلى كسب ثواب الصلاة على النبي، و بين الجماعة المحظورة الإرهابية التي تتاجر بالدين، و لكن من حيث لا ترغب الأجهزة الأمنية ولا النظام الحاكم، و انبرى المصريون من المتعاطفين وغير المتعاطفين و حتى الكارهين للجماعة المحظورة بتحدي استفزاز الدولة لمشاعرهم الدينية بنشر الحملة على نطاق أوسع، في مواجهة نظام ترتعد مؤسساته من مجرد انتشار الدعوة إلى الصلاة على النبي، فسقطت حجتهم بمحاربة الإرهاب و التطرف و الإسلام السياسي، و تكرست الرسالة التي طالما حملها الإخوان و ناضلوا من أجلها و تاجروا بها: "أن الإخوان هم حماة الإسلام، و خصومهم هم أعداء الإسلام".

في المقابل فضحت الحملة – مرة أخرى-تفاهة وضحالة أمة يسهل تشتيت انتباهها بطريقة "بص العصفورة" ويمكن إلهاؤهم بأقل الطرق بساطة وأكثرها سطحية وتفاهة، فانخرطت شرائح المجتمع بمثقفيها وجهالها على السواء في مناقشة قضية الملصق بين معارض يجتر مبررات النظام المثيرة للسخرية، ومؤيد يدافع عن مبدأ الدعوة إلى الصلاة عبادة بريئة من أي مقاصد سياسية، أياً كان مصدره وصاحبه، وسقط في وحلها كثير من أدعياء الثقافة والتنوير الذين طالما أدعوا كذباً عداوتهم للتطرف لا "للإسلام الوسطي" حسب مفهومهم الدراويشي عن الوسطية.

تبقى لإسدال الستار على المسرحية الساخرة أن تتلقى وزارة الداخلية المصرية برقية من المخابرات الإخوانية تشكرهم على حسن تعاونهم معها، وإلى اللقاء في عمليات أخرى.

Leave a Reply